أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

72

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

وقال رحمه اللّه في قول بعضهم : من أراد عز الدارين فليدخل في مذهبنا هذا يومين قال له القائل : كيف لي بذلك ؟ قال : فرق الأصنام عن قلبك ، وأرح من الدنيا بدنك ثم كن كيف شئت ، فإن اللّه لن يدعك ، فإن جاءك شيء من الدنيا بعد فلا تنظر إليه بعين الرغبة ، ولا تصحبه بالرهبة ، ولا تجلس معه إلا بالواجب العلمي في صرفه وإمساكه ، وإن طلبت شيئا من ذلك يوما فاشهد طلب اللّه لك في طلبك له فإنك مطلوب بالطلب ، فإن خرج لك الطلب منه مخرج الرضاء فادخل ، ولا تعلق قلبك بالظفر به ولا بد ، فإنك لا تدري أتصل إليه أم لا ؟ وإن وصلت إليه فلست تدري ألك هو أم لغيرك ؟ فإن كان لك فلست تدري أفيه الخير أم فيه الشر ؟ وإن كان لغيرك فليس لك به علم ، هل هو لحبيبك أم لعدوك ؟ وعلى الجملة : كيف يسكن القلب إلى موهوم تتصور فيه هذه الوجوه كلها وأكثر من ذلك ، فاطلبه وأنت متعلق باللّه وناظر إليه ، واستعمل الشكر إذا ظفرت به ، والصبر والرضا إذا لم تظفر ، بل الثناء على اللّه أجمل ، لأنه لم يمنعك عن بخل وإنما منعك نظرا لك ، فإذا منعك ذلك فقد أعطاك ولكن لا يفقد العطاء في المنع إلا الصديقون ، وإن خرج بك الطلب من اللّه مخرج السخط بدلالة مخالفة العلم أو ما يكاد فالجأ إلى اللّه وفر إليه حتى يكون هو الذي يخلصك و اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ [ آل عمران : 40 ] وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ الأعراف : 128 ] . فصل في التواضع قال رحمه اللّه : وسم بالسعادة رجل عرف الحق فتواضع لأهله وإن عمل ما عمل ، ووسم بالشقاوة رجل جحد الحق وتكبر على أهله ولو عمل ما عمل . وقال رحمه اللّه : خرجت إلى البستان مع أصحاب لي بمدينة تونس ثم عدت إلى المدينة وكنا ركبانا على الحمير ، فلما وصلنا قريبا من المدينة نزلوا وكان طينا وقالوا : يا سيدي انزل هنا ، فقلت : ولم ؟ فقالوا : هذه المدينة ونستحي أن ندخلها على الحمير ، قال : فثنيت رجلي وأردت موافقتهم ، فإذا النداء عليّ إن اللّه لا يعذب على راحة يصحبها التواضع ، ولكن يعذب على راحة يصحبها الكبر . فصل في التقوى قال رحمه اللّه : اتخذ التقوى وطنا ، ولا يضرك مدح النفس ما لم تصر على الذنب أو ترضى بالعيب ، وتسقط عنك الخشية في الغيب .